محمد أبو زهرة

594

زهرة التفاسير

إن وقع من المشركين ، أو المحاربين بشكل عام مثله ؛ ولقد أخذ بعد ذلك يبين ما هو عدة الحرب ، وقوة الجماعة الإسلامية ، ورباط بنيانها ، وهو المال ، فأمر الأغنياء بإنفاق المال في سبيل الله أي في كل ما هو خير وبر ؛ فإن كل خير وطاعة يعد سبيل الله سبحانه ؛ وإنفاق المال على ذلك هو قوة الأمة في سلمها ؛ وقوة السلم هي عدة الحرب ؛ وإن من الإنفاق في سبيل الله الإنفاق في الحروب ، وإعداد العتاد الحربي ؛ ولكن ذلك وإن كان قوة الحرب المباشرة ، لا ينفى أن قوة الحروب تعتمد على قوة الوحدة في الأمة ، وقوة الصلة بين ضعفائها وأقويائها ، وأغنيائها وفقرائها ، وذلك يكون بسد حاجة المعوزين ، وإعطاء المحرومين ؛ ولذلك قال النبي صلى اللّه عليه وسلم « أبغونى في ضعفائكم فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم » « 1 » . وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ التهلكة بضم اللام : مصدر بمعنى الهلاك ، كما قال أبو عبيدة والزجاج ؛ وادعى بعض علماء اللغة أنه لم يوجد مصدر على وزن « تفعلة » إلا هذا ، ولكن روى عن سيبويه كلمتان أخريان هما تنصرة وتسترة ، بمعنى نصر وستر . وقد جوز الزمخشري أن يكون أصلها « تهلكة » قلبت الكسرة ضمة ، ككسرة الجوار قد تقلب ضمة فيقال : « الجوار » ، ومهما يكن فإن « التهلكة » إذا كانت بمعنى « الهلاك » في المال ، فلا بد أن يكون ثمة فرق دقيق اقتضى العدول من لفظ الهلاك إلى لفظ التهلكة كما هو الشأن في التخير من الألفاظ المترادفة في الكلام البليغ ، ولو أن لنا أن نتلمس فرقا فهو أن نقول : إن التهلكة هلاك خاص ، وهو الذي يباشر سببه من ينزل به الهلاك ، وربما لا ينزل دفعة واحدة ، بل يسرى شيئا فشيئا ، ولكن نتيجته تكون مؤكدة ؛ أما لفظ الهلاك فهو يشمل ما ينزل دفعة واحدة وما لا يكون للإنسان فيه إرادة وغيرهما . والباء في قوله سبحانه وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ قيل زائدة في الإعراب لتقوية معنى الإلقاء المنهى عنه ، فيقوى النهى ؛ وقيل المعنى : لا تلقوا أنفسكم مجذوبة

--> ( 1 ) عن أبي الدّرداء قال : سمعت النّبىّ صلى اللّه عليه وسلم يقول : « ابغونى ضعفاءكم فإنّما ترزقون وتنصرون بضعفائكم » [ رواه الترمذي : الجهاد - ما جاء في الاستفتاح بصعاليك المسلمين ( 1624 ) وأحمد : باقي مسند الأنصار ( 20738 ) وبنحوه رواه ابن ماجة والنسائي ] . ابغونى بهمزة الوصل والقطع بمعنى الطلب .